محمد بن جرير الطبري

313

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن قتادة في قوله : لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ يقول : لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ فتسفك يا ابن آدم دماء أهل ملتك ودعوتك . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ . يعني بقوله : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بالميثاق الذي أخذنا عليكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ . كما : حدثنا المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ يقول : أقررتم بهذا الميثاق . وحدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ اختلف أهل التأويل فيمن خوطب بقوله وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . فقال بعضهم : ذلك خطاب من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام هجرته إليه مؤنبا لهم على تضييع أحكام ما في أيديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها ، فقال الله تعالى لهم : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ يعني بذلك إقرار أوائلكم وسلفكم وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ على إقراركم بأخذ الميثاق عليهم ، بأن لا يسفكوا دماءهم ، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، ويصدقون بأن ذلك حق من ميثاقي عليهم . وممن حكي معنى هذا القول عنه ابن عباس . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أن هذا حق من ميثاقي عليكم . وقال آخرون : بل ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم ، ولكنه تعالى ذكره أخرج الخبر بذلك عنهم مخرج المخاطبة على النحو الذي وصفنا في سائر الآيات التي هي نظائرها التي قد بينا تأويلها فيما مضى . وتأولوا قوله وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ على معنى : وأنتم شهود . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قوله : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ يقول وأنتم شهود . قال أبو جعفر : وأولى الأَقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي أن يكون قوله : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ خبرا عن أسلافهم ، وداخلا فيه المخاطبون منهم الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ خبرا عن أسلافهم وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأَن الله تعالى أخذ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل على سبيل ما قد بينه لنا في كتابه ، فألزم جميع من بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة مثل الذي ألزم منه من كان على عهد موسى منهم . ثم أنب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم ذلك الميثاق ، وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود بقوله : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ فإن كان خارجا على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم منهم ، فإنه معني به كل من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى ومن بعده ، وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة ؛ لأَن الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ وما أشبه ذلك من الآي بعضهم دون بعض ؛ والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم . فإن كان ذلك كذلك فليس لأَحد أن يدعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض . وكذلك حكم الآية التي بعدها ، أعني قوله : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ